مادة أصول الفقه


مادة أصول الفقه

مادة أصول الفقه


مقاصد الشريعة
بسسم الله الرحمن الرحيم ، والصلاة والسلام على رسول الله الأمين،وعلى آله وصحبه أجمعين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد فقد تكلمنا عن أنواع المقاصد الثلاثة ،الضرورية والحاجية والتكميلية، وأشرنا إلى أن الشرع قصدها وندب إلى تحقيقها من خلال تكاليف المخاطبين ، امتثالا واجتنابا،وأن تلك المقاصد المعنية بجلب المصالح ودرء المفاسد في شأن المكلف ،منها ما هو مصرح به في الوحيين،ظاهرفي نصوص الشرع ،مما يكون مدعاة إلى الامتثال والاجتناب،تحقيقا لمقاصد صحيح الاعتقاد وصالح الأخلاق وصالح العبادات .ومنها ما هو متضمن في نصوص الشريعة ، يتولى أئمة الإسلام استخراجها واستنباطها،من ذلك مقصد الشرع من الطهارة الترابية،فبعد أن تجلى المقصد من الطهارة المائية، بسقوط الذنوب مع قطرات الماء من الأعضاء المغسولة، استفاد أهل العلم المقصد من التيمم ،بأن التراب أخ الماء، فتحقق الطهارة المعنوية المقصد نفسه، وكذلك المصلحة من إباحة البيع، من نفع العباد وقضاء حوائجهم، ودفع الحرج عنهم ،وكذا المفاسد من تحريم الزنا ،من إيقاع العداوة والبغضاء بين الناس،والأمراض التناسلية،والاعتداء على الأعراض ، وأثره على قيام الأسرة وإنجاب النسل،وكل تلك المقاصد المسكوت عنها تدرك بفهم الخطاب الشرعي،لا بما يتوهمه بعض الناس،كتوهم المصلحة من تعاطي المسكرات، والحق خلاف ذلك بل في تعاطيها ضرر محقق ومفاسد مترتبة عليه ، فإن كل مسكر يضر بالجسد ،ويضعف الأعصاب ويؤدي إلى الخمول والكسل ،ويصير السكران عالة على المجتمع غير نافع ولا منتفع،كما يقضي السكر على نشاط الإنسان وحيويته،ويؤدي إلى تخلف الجماعة وضعفها وعجزها ووقوعها فريسة الأعداء.ومن المعلوم أن الشرع لا يفعل إلا صلاحاولايدعو إلا إلى صلاح.كما أن المقاصد باعتبار الزمان على ضربين :

الأول مقاصد دنيوية، وتتمثل في دعوة الشريعة إلىحفظ المقاصد الضرورية وهي الدين والنفس والعقل والنسل والمال ،وكذاالحاجية التابعة لها ، والتكميلية،وذلك فيما يرجع إلى حياة المكلف،وتمام عيشه ونبل ما تقتضيه ،فيفهم هذاالنوع من المقاصدعلىحسبما غلب في عرف الناس أن فيهمصلحة أو مفسدة لهم في دنياهم ،حتى يتحقق المقصد الشرعي النبيلمن التكليف، فيؤمر المكلف بالفعل لغلبة المصلحة فيه،وينهى عنه لغلبة المفسدة عليه، وهو ما يسمى بالمصالح والمفاسد المعتبرة في الشرع، كالإيمان فهو مطلوب بإطلاق، وكذا الكفر منهي عنه بإطلاق،لتعلق المصلحة والمفسدة بهما،وقد سبقت الأمثلة على ذلك .الثاني مقاصد أخروية ،وهي التي تتفرد فيها المصالحوالمفاسد ولا تمتزجفي الغالب الأعم ،فالجنة للمنعم عليهم ، المرضية أعمالهم وطاعاتهم وعباداتهم،والنار لأهل الخلود الجاحدين الكافرين لنعم الله تعالى ،(إن الابرار لفي نعيم وإن الفجار لفي جحيم .) وقد تكون ممتزجة ،كمن يدخل النار من الموحدين، إن لم تلحقه رحمة الله تعالى وفضله وعفوه، جزاء تقصيره فيما أمر به ،وفيما نهي عنه،ففي الحديث الصحيح (...فيخرجون منها كما تنبت الحبة من السيل)،وهذا الجمع بين المقاصد لا يدرك بالعقل فيما يتعلق بالأمور الغيبية، وإنما تتلقى أحكامه من السمع، ووجه هذا الامتزاج إخبار الشرعأن النار لا تنال مواضع السجود، ولا محل الإيمان من الموحد،وهذه مصلحة ظاهرة،كما أن النار تأخذ منهعلى قدر أعماله، فهي لم تتمحض للشر،ثم الرجاء المعلق بقلب الموحد،فهو ضرب من الراحة تحصل له مع التعذيب، و تنفس عنه كرب الناروالعياذ بالله.
وكل هذا يتحقق باستقراء الشرع ، فسمى الله الجنة بالرحمة،والنار بالعذاب،لحديث البخاري (تحاجت الجنة والنار فقالت النار :أوثرت بالمتكبرين والمتجرين،وقالت الجنة:لا يدخلني إلا ضعفاء الناس وسقطهم،قال الله عزوجل للجنة : أنت رحمتى أرحم بك من أشاء من عبادي، وقال للنارأنت عذابي أعذب بك من أشاء من عباديولكل واحدة منكما ملؤها.)


المعتبر والشرط في المقاصد


لقد سبق بيان أن المقاصد باعتبار الزمان ضربان،مصالح او مفاسد دنيوية تتحقق فيهذه الحياة، والضرب الثاني أخروية ستتحقق عند البعث والجزاء، وسبق التمثيل لكل نوع ،حتى سمى الله تعالى الجنةرحمة والنار عذابا، كما سبقت الإشارة إلى أن المعتبر في المزج بين المصالح والمفاسد هو النظر إلى المصالح التي هي عماد الدين والدنيا .فالمصالح والمفاسد المعتبرة هي ما يستقيم بها أمر الدنيا والأخرىتبعا لما رسمه الشرع الذي يعلم المصالح والمفاسد من حيثيات التكليف، موفقا بينها وبين ما أجراه في سنة الوجودمن التناسب والاتساق بين الأحكام والحكم،وليس اعتبارهاتبعا لأهواء النفوس وطلب المنافع العاجلة،وما أدى إليه العقل والأوهام،مثل مقصد الجاهليين من وءد البناتخشية الفقر وخوفامن العار(مما قد ينال من عرضهم وكرامتهم على سبيل الوهم .)فنهوا عن ذلك تقريعا لهم، وتكذيبا لما يتوهمون وقوعه، قال تعالى (ولا تقتلوا أولادكم من املاق نحن نرزقكم وإياهم )...-سةرة الأنعام-والشريعة جاءت لتخرج المكلفين من دواعي الهوى والوهم، (ولو اتبع الحق أهواءهم لفسدت السماوات والارضومن فيهن )سورة المؤمنون-فالمقاصد كلها راجعة إلى خطاب الشرع وموارد الشريعة،التي جاءت رحمة للناس وعدلا،تهذيبا للفرد حتى يستطيع أن يكون مصدر خير لجماعته،ولا يكون موردشر لأحد من الناس،وذلك بالعبادة التي شرعها الله تعالى توثيقا للعلاقات الاحتماعية الفاضلة، مما يشفي النفوس من أدران الحقد والكراهيةوالحسد و...قال تعالى (ان الصلوة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر .)ولا تتحقق تلك الفضائل إلا بتشريع العدالة الإسلامية فيما ندب إليه الشرع الحنيف،وذلك بأن تسود المودة والمحبة بين الأفرادوأن تعتبر مصلحة كل فرد من مصلحة الآخر،لحديث( :لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه )، والشعور بفحوى الحديث مصلحة محققة ثابتة،وكل ما شرعه الأسلام فيه مصلحةحقيقية، وإن خفيت على بعض الذين غشاهم الهوى،لأن الهوى يخص صاحبه، بينماالمصلحة تعم وتخص،فالمصلحة الشرعية التي تحققها الأحكام تثبتها نصوص الشريعة،وهي ترجع إلى المصالح الضرورية التي تقوم عليها حياة الإنسان،ولذلك كان تكريمه في المحافظة عليها،فبالدين تسمومعانيهعن درك الحيوان ،لأن التدين وتوجيه التكليف من خواصه ، فحمى الأسلام بأحكامه حرية التدين،ولتحصين النفس بالمعاني الدينية شرعت العبادات تزكية للنفس وتنمية لروح التدين، والمحافظة على النفس محافظة على حق الحياة الكريمة،فشرع حمايتها من كل اعتداء وهدر بأحكام العقوبات والجنايات، والمحافظة على العقل حفظه من كل آفةتجعل صاحبهعبئا على المجتمع ومصدرشر وأذى، حتى يكون كل أعضائه سليمانافعا، ولذلك ندب الشرع إلى اتخاذ أسباب وقايته من الآفة والآثام، كما يعمل على العلاج، فحد حدودا وزواجر لحمايته، والمحافظة على النسل محافظة على النوع الإنساني، فاقتضت حكمة الله تعالى تشريع الزواج وتنظيمه، ومنع الاعتداء على الحياة الزوجية والأعراض سواء بتهمة القذف أوبالفاحشة، فشرعت لهما  الزنا والرمي عقوبات تعزيرية حماية للنسل، كما تكون المحافة و على المال بمنع الشريعة من الاعتداء عليه، بحدود السرقة والغصب ونحوهما، وبالترغيب في وضعه في الأيدي التي تصونه (ولا تاكلوها أسرافا وبدارا ان يكبروا )في شأن القيم في مال اليتيم،لأن المال في أيدي الأفراد قوة للأمة،فمنع الشرع أن يؤكل بين الناس بالباطل،لغرضتنميته واستثماره، وشرع للتعامل به بين الناس صورا للبيوع المباحة .وهكذا فإن جلب المنفعة ودفع المضرة مقاصد المكلف وصلاحه في تحصيلها،فالأحكام الشرعية وعاء لمصالح بني الإنسان.والإسلام بتشريعاته يتجه إلى تحقيقهاله،ولذلك قرر الفقهاء قواعد مستمدة من مقاصد الشريعة،فاستفادوا الدعوة إلى جلب المنافع ودرء المفاسد من نصوص القرآن والحديث،فإنها محققة لها في كل عصر ومصر ،وإذا تعارضت المصلحةمع النصوص فذلك من قبيل الانحراف في الفكر والفهم، وتحكيم الأهواء.


شروط المقاصد المعتبرة


سبق القول أن المقاصد كلها راجعة إلى خطاب الشرع،وأن مدركات تلك المقاصد من ألفاظ الشارع على الحد الذي حده،لا على مقتضى الأهواء والشهوات والمقدرات العقلية .فالمقاصد ميزان يصنف بها الفقيه الأدلة،لأن المصالح والمفاسد في مراتبها الثلاثة (الضرورية والحاجية والتحسينية)تتفاوت في درجات طلبالشارعإقامتها،فتحقيق الضروريات يكونبقوة الطلب مما يفيد التوكيد والوجوب،والواجباتيتفاوتالأمربهابمقدار المصلحة فيها،وكذلك المنهيات يتفاوتيتفاوت النهي عنهابمقدار الفساد فيها،وأماتحقيق الحاجيات فإن الشرع ندب إليها،من غير إيجاب،من باب دفع الحرج والمشقة أو الاحتياط.وأباح تحقيق التكميلياتبما يحسن ويليق به،من باب رفع مهابتهوحفظ كرامته وكمال حياته،فالسب مثلا لا يمس أصل حياته،وليس في حاجة إليه،وإنما يمس كماله ويشينه وينقص من قدره،وكل ذلك على حسب الآثار المترتبة على كل مرتبة منها.

شروط المقاصد المعتبرة


حتى يتبين أن الشارع يقصد أن يحقق المكلف في التكليف جلب المصالح ودفع المفاسد،لابد من توافر شروط معتبرة في المقصد.
الأول : أن يكون معناه ظاهرا لا يختلف الفقهاء حول تشخيصه، بحيث يدركون جميعهم من ألفاظ الشارع مقاصد الرحمةبهموالعدالةفيهم، والتيسيرعليهم، ورفع الحرج عنهم، فالرحمة مقصد أسمى في الإسلام،دعا إليه ووعد من سلك طريقه بالخير والفوز والفلاح، "قد افلح المومنون اللذين هم في صلاتهم خاشعون "...،والعدل في الإسلام كذلك مقصد عظيم، ندب إليه الشرع في كل باب من أبواب التكاليف،عقيدة وعبادة وأخلاقا،ووعد على تحقيقه بالجزاء العظيم،وكل هذه المعاني واضحة في نصوص الشرع.

الثاني :أن يكون معناه منضبطا وذلك بأن يكون لمعنى اللفظ الشرعي المتضمن للمصلحة أو المفسدة قدر غير مشكوك فيه تدركه الأفهام، فيكون له معنى معتبر، يرشد الفقيه ألى تحقيقه،مثل حفظ العقل الذي هو المقصد من تحريم الخمر وسائر المسكرات التي تنال من أداة التمييز،ياأيها الذين ءامنو لا تقربوا الصلا ة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون " "...فحماية العقل مما يفسده أمر منضبط لا شك في طلب الشارع له،وتتجه المحافظة عليهإلى جعل صاحبه عضواسليما في المجتمع،ولبنة من بنائه، تجنبا لشروره وأذيته،وهذا معنى منضبطفي كل مسكر،لذلك وضع الشارع له أحكاما رادعة تمنع من إفساده وتحمي سلامته،لأن المسكرات والمخدرات مما تنضبط آثارها على سلامة العقول .
الثالث :أن يكون معناه مطردا،وذلك بألا يكون معناه مختلفا باختلاف الزمان أو المكان أوالأشخاص،مثل وصف الإسلام القدرة على الإنفاق على الزوجة ، "الرجال قوامون على النساء بمافضل الله بعضهم على بعض وبما أنفقوا من أموالهم "فأصل النفقة مطرد لا يتغير حكمه في حق الزوج ،فتكون حينا واجبة ومندوبا إليها حينا آخر، وإنما ينفق كل مما عنده ،"لينفق ذو سعة من سعته ومن قدر عليه رزقه فلينفق مما آتاه الله"،وكذا المقصد من النهي عن الإخصاء، فمفاسده مطردة لا تتغير،من تعذيب النفسمن جرائه و تشويه الخلق وإلحاق الألم والضرر، وإبطال معنى الرجولة، وكفر نعمتها في اختيار النقص على الكمالفي تشبهه بالمرأة ،"لقد خلقنا الانسان في أحسن تقويم"،فكمال الرجل في ذكورته وكمال المرأة في أنوثتها، والانقطاع عن ملاذ النكاح، وتحريم ما أحل الله تعالى"ياايها الذين ءامنوالا تحرموا طيبات ما أحل الله لكمولا تعتدوا"،فلا تتخلف هذه المفاسد حتى مع التطور العلمي،بل تبقى مطردة عبر الزمان والمكان والأشخاص،لأجل ذلك ورد النهي عن الخصاء اتقاءلمفاسده.وبهذه الشروط الثلاثة يوصف المقصد الشرعي المعتبرفي تكاليف الشريعة والمتعلق بالأحكام .
تعليقات